محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الزور ، شهادة الزور ، وقذف المحصنة ، واليمين الغموس ، والسحر . ويدخل في قتل النفس المحرم قتلها : قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه ، والفرار من الزحف ، والزنا بحليلة الجار وإذ كان ذلك كذلك صح كل خبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر ، وكان بعضه مصدقا بعضا ، وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هي سبع " يكون معنى قوله حينئذ " هي سبع " على التفصيل ، ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال : " هي الإشراك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، وقول الزور " على الإجمال ، إذ كان قوله : " وقول الزور " يحتمل معاني شتى ، وأن يجمع جميع ذلك : قول الزور . وأما خبر ابن مسعود الذي حدثني به الفريابي على ما ذكرت ، فإنه عندي غلط من عبيد الله بن محمد ، لأن الأخبار المتظاهرة من الأوجه الصحيحة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو الرواية التي رواها الزهري عن ابن عيينة ، ولم يقل أحد منهم في حديثه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر ؛ فنقلهم ما نقلوا من ذلك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة من نقل الفريابي . فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته ، وإدخاله مدخلا كريما ، وأدى فرائضه التي فرضها الله عليه ، وجد الله لما وعده من وعد منجزا ، وعلى الوفاء به دائبا . وأما قوله : نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ فإنه يعني به : نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم صغائر سيئاتكم ، يعني : صغائر ذنوبكم . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الصغائر . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن الحسن : أن ناسا لقوا عبد الله بن عمرو بمصر ، فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها ، لا يعمل بها ، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك ؟ فقدم وقدموا معه ، فلقيه عمر رضي الله عنه ، فقال : متى قدمت ؟ قال : منذ كذا وكذا ، قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف رد عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن ناسا لقوني بمصر ، فقالوا : إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها ، فأحبوا أن يلقوك في ذلك . فقال : اجمعهم لي قال : فجمعتهم له قال ابن عون : أظنه قال في نهر فأخذ أدناهم رجلا ، فقال : أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله ؟ قال : نعم ، قال : فهل أحصيته في نفسك ؟ قال : اللهم لا . قال : ولو قال نعم لخصمه . قال : فهل أحصيته في بصرك ؟ هل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك ؟ قال : ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم ، فقال : ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات قال : وتلا : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً هل علم أهل المدينة ؟ أو قال : هل علم أحد بما قدمتم ؟ قالوا : لا ، قال : لو علموا لوعظت بكم . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا زياد بن مخراق ، عن معاوية بن قرة قال : أتينا أنس بن مالك ، فكان فيما حدثنا قال : لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال . ثم سكت هنيهة ، ثم قال : والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك ، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر ، فما لنا ولها ؟ ثم تلا : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية ، إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " اجتنبوا الكبائر ، وسددوا ، وأبشروا " حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن رجل ، عن ابن مسعود قال : في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ